محمد العربي الخطابي
341
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
وقد يركّب الدواء ليمسك أحدهما الآخر ويثبته في العضو المقصود به إياه حتى يتمكّن من فعله ولا يسرع زواله عنه كتركيب الشمع والدهن . وقد يركّبان أيضا ليسرع أحدهما زوال الآخر عن العضو إذا احتيج إلى ذلك كما يضاف الملح الدرانيّ والبورقيّ إلى الأدوية المشروبة ليسرع انحدارها عن المعدة . فعلى هذه الجهات تركّب الأدوية المفردة بعضها مع بعض ويخلط بعضها ببعض . وينبغي للطبيب أن يكون ذاكرا لكمية ما يستعمل من كل واحد منها مفردا وخاصّة من المشروبة ، وخاصّة القوية من المشروبة ، فإن كثيرا من المنتسبين إلى هذه الصناعة قد يسقون العليل من الأدوية القوية الفعل الحادّة كالسقمونيا وشحم الحنظل أكثر مما جرت به العادة فيقتلونه أو يوقعونه في أشدّ ممّا كان فيه من المرض ، وربّما سقوه منه أقل كثيرا من المقدار الذي يجب فلا يكون له عناء ولا يقع به انتفاع أو يكون ما يقع به من الانتفاع يسيرا جدا أو غير محسوس بالجملة فيرتبك العليل في علته ويطول بلاؤه ، فإذا تقدّم الطبيب وعلم مقدار ما يستعمل من كل واحد من الأدوية المفردة مفردا كان فعله على بصيرة وثقة . والدستور الصناعي الذي سنذكره ولم يجر فيه تجريب من لا علم له ولا معرفة قبله ليس هو الذي ينبغي للطبيب أن يعلمه من الأدوية بل ينبغي له أن يكون ملمّا بقوانين الأدوية على طريق التجربة والقياس الذي يتعرّف بها قواها وأفعالها وخواصّها ودرجاتها من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة حتى إن حضره دواء ما لم يره قبل قدر بالقوانين الكلية التي عنده على معرفة أحواله ولم يفتقر في ذلك إلى تقليد غيره . وليس بنا حاجة إلى أن نذكر هذه القوانين هاهنا إذ قد ذكرت واستوفيت في كتب كثيرة مشهورة ، لكن الذي نذكره هاهنا هو القانون والدستور في تأليف الأدوية فإنّ الحاجة إليه فيما نحن بسبيله ماسّة ، والقانون في ذلك هو أن تأخذ من كلّ واحد من الأدوية المفردة التي تريد تأليفها مقدار الشّربة . . . فيخلط الجميع خلطا بالغا وتأخذ من الجملة الجزء السّمّيّ لعدد الأدوية ، فما كان ذلك الجزء فيه فهو مقدار الشّربة الواحدة ، وميزان نسبة ما يحصل فيها من كلّ واحد من الأدوية المفردة من الشّربة التامّة منه كنسبة الشّربة الواحدة من الجملة . مثال ذلك : إذا أردنا أن نؤلّف دواء من صبر وغاريقون وشحم حنظل وسقمونيا - وهذه أربعة أدوية - فالشّربة التامّة من كل واحد من الصّبر والغاريقون درهمان ومن